محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

34

الروض المعطار في خبر الأقطار

كمائدة سليمان التي الفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة ، وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرهما من الذخائر كانت مما حازه صاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر . وذكروا أن الخضر وقف بأشبان هذا وهو يحرث الأرض بفدن له أيام حداثته ، فقال له : يا أشبان إنك لذو شان وسوف يحظيك زمان ويعليك سلطان فإذا أنت تغلبت على إيليا فارفق بورثة الأنبياء . فقال له أشبان : أساخر رحمك اللّه أنّى يكون هذا وأنا ضعيف مهين فقير حقير ، فقال : قدر ذلك لك من قدّر في عصاك اليابسة ما تراه ، فنظر أشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت فريع لما رأى ، وذهب الخضر عنه وقد وقر ذلك الكلام في نفسه والثقة بكونه ، فترك الامتهان وداخل الناس وصحب أجل الناس ، وسما به جدّه فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيما ، وكان ملكه عشرين سنة ، واتصلت مملكة الأشبان بعده إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكا ، ثم دخل عليهم من حجر رومة أمّة أخرى تعرف بالشبونقات وذلك زمان مبعث المسيح عليه السّلام ، فملكوا الأندلس وافرنجة معها واتخذوا دار مملكتهم مدينة ماردة واتصلت مملكتهم إلى أن ملك منهم أربعة وعشرون ملكا ، ويقال إن منهم كان ذو القرنين . ثم دخل على هؤلاء الشبونقات أمّة القوط فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من يومئذ عن صاحب رومة وانفردوا بسلطانهم واتخذوا مدينة طليطلة دار سلطانهم ، وخنشوش « 1 » ملك القوط هو أول من تنصّر من هؤلاء فدعا الحواريين ودعا قومه إلى النصرانية وكان أعدل ملوكهم وأحسنهم سيرة ، وهو الذي أصّل النصرانية ، والانجيلات والمصاحف الأربعة من انتساخه وجمعه وتثقيفه ، فتنافست ملوك القوط بالأندلس بعده حتى غلبهم عليها العرب ، وعدد من ملك منهم إلى آخرهم وهو لذريق ستة وثلاثون ملكا ، ولذريق لم يكن من أبناء الملوك ولا بصحيح النسب في القوط وإنما نال الملك من طريق الغصب والتسور ، ولما مات غيطشة الملك وكان أثيرا لديه فاستصغر أولاده واستمال طائفة من الرجال مالوا معه ، فانتزع الملك من ولد غيطشة ، وغيطشة آخر ملوك القوط بالأندلس ولي سنة سبع وسبعين من الهجرة فملك خمس عشرة سنة . وكانت طليطلة دار المملكة بالأندلس حينئذ وكان بها بيت مغلق متحامى الفتح ، يلزمه من ثقات القوط قوم قد وكلوا به لئلا يفتح قد عهد الأول في ذلك إلى الآخر كلّما ملك منهم ملك زاد على البيت قفلا ؛ فلما ولي لذريق عزم على فتح الباب والاطلاع على ما في البيت ، فأعظم ذلك أكابرهم وتضرعوا إليه في الكفّ فأبى وظن أنه بيت مال ، ففض الأقفال عنه ودخله فأصابه فارغا لا شيء فيه إلا تابوتا عليه قفل ، فأمر بفتحه فألفاه أيضا فارغا لا شيء فيه إلا شقة مدرجة قد صوّرت فيها صور العرب على الخيول وعليهم العمائم متقلدي السيوف متنكبي القسيّ رافعي الرايات على الرماح ، وفي أعلاها كتابة بالعجمية فقرئت فإذا هي : إذا كسرت هذه الأقفال عن هذا البيت وفتح هذا التابوت فظهر ما فيه من هذه الصور فإن الأمّة المصوّرة فيه تغلب على الأندلس وتملكها ، فوجم لذريق وعظم غمه وغم العجم وأمر بردّ الأقفال واقرار الحراس على حالهم . وكان من سير الأعاجم بالأندلس أن يبعث أكابرهم بأولادهم إلى بساط الملك ليتأدبوا بأدبه وينالوا من كرامته ، حتى إذا بلغوا انكح بعضهم بعضا استئلافا لآبائهم وحمل صدقاتهم وتولى تجهيز إناثهم ، فاتفق أن فعل ذلك يليان عامل لذريق على سبتة ، وجّه ابنة له بارعة الجمال تكرم عليه ، فوقعت عين لذريق عليها فأعجبته فاستكرهها على نفسها ، واحتالت حتى أعلمت أباها بذلك سرا بمكاتبة خفية ، فأحفظه شأنها وقال : ودين المسيح لأزيلن سلطانه ، فكان امتعاضه من فاحشة بنته السبب في فتح الأندلس للذي سبق من قدر اللّه سبحانه ؛ ثم إن يليان ركب بحر الزقاق من سبتة في أصعب الأوقات في شهر ينير ، وأقبل حتى احتلّ بطليطلة حضرة لذريق ، فأنكر عليه مجيئه في ذلك الوقت ، وسأله عن السبب في ذلك ، فذكر له أن زوجته اشتد شوقها إلى ابنتها التي عنده وتمنت لقاءها قبل الموت وألحت عليه في احضارها وأحبّ إسعافها بها ، وسأل الملك إخراجها إليه وتعجل اطلاقه للمبادرة بها ففعل ، وأجاز الجارية وتوثق منها بالكتمان عليه وأفضل على أبيها ، فانقلبت عليه . وذكر أنه لما دخل عليه قال له لذريق : إذا أنت قدمت علينا فاستفره لنا من الشذانقات ، فقال له : أيها الملك ، والمسيح لا دخلن عليك شذانقات ما دخل عليك بمثلها قط - يعرض له بما أضمر من السعي في ادخال رجال العرب الأندلس عليه وهو لا يفطن - فلم يتنهنه يليان إذ وصل سبتة أن تهيأ للمسير نحو موسى بن نصير ، فأتاه بإفريقية ، فحرّضه على غزو الأندلس ،

--> ( 1 ) كذا ، وعند بروفنسال : ودخشوش .